آخر تحديث: 20 كانون الأول، 2014 02:04:07
ابحث
اختر لغتك

الرقابة على دستورية القوانين في لبنان ودور المجلس الدستوري

05 تشرين الأول، 2013
 (0)
2738
هبة علّام
مما لا شك فيه أن الشرعية تقتضي أن تخضع جميع سلطات الدولة ومن ضمنها السلطة التشريعية للقانون ، واذا كانت السلطة التشريعية يجب أن تخضع للتشريعات التي تضعها بنفسها فانها قبل ذلك يجب أن تتقيد في كل ما يصدر عنها بالدستور ، لكن من الذي يضمن خضوع السلطة التشريعية للدستور وعد خروجها عليه نصا أو روحا .
ومن جهة أخرى فان لازدياد تدخل الدولة المستمر ودورها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها ... ، أدى الى ازدياد صدور التشريعات المنظمة لهذا التدخل مما يؤدي بشكل أو بآخر الى الانتقاص من الحريات الفردية التي أقرتها و كفلتها الدساتير، ولا يوجد ما هو أخطر على الحريات الشخصية من استبداد السلطة التشريعية –البرلمان- وتفردها وعدم وجود من يراقبها، وهذا ما يسمى "بالدكتاتورية البرلمانية".
فهناك قواعد وأحكام قانونية تحول دون انحراف الحكام أو استبدادهم، وهذه القواعد يجب أن تكون الأسمى والأعلى في الدولة، بحيث من غير الممكن مخالفتها شكلا و مضمونا . ومن هنا انطلقت فكرة "سيادة القواعد الدستورية" وعدم مخالفتها ومنع تطبيق أي قواعد قانونية تتعارض معها ، الأمر الذي يوجب التمسك بنظرية الرقابة على دستورية القوانين، والتي هي الأساس لبناء الدولة القانونية .
وعندما يراد لنا أن تستعرض النموذج اللبناني في مجال الرقابة على دستورية القوانين، يمكن القول مبدئيا على أنه لم يتطرق الدستور اللبناني لعام 1926، لا سلبا ولا ايجابا لموضوع الرقابة على دستورية القوانين، فهو لم يمنع المحاكم صراحة من حقها في التعرض للقانون غير الدستوري والامتناع عن تطبيقه ، كما لم يمنحها هذا الحق، وبقي صامتا حيالها لغاية التعديل الدستوري لعام 1990، بعد اقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، حيث أوكل أمر هذه الرقابة الى المجلس الدستوري الذي أقر انشاؤه بموجب القانون رقم 250/93 .
وفي هذا السياق، خرجت اجتهادات كثيرة وآراء مختلفة حول الجهة المخولة اجراء الرقابة على دستورية القوانين و طبيعتها،وقد استندوا الى العديد من الاعتبارات منها القانونية ومنها السياسية . الا أنه في النهاية خلص الاجتهاد اللبناني الى القول بان الانتظام القانوني في لبنان لا يقر للقضاء بصلاحية اجراء الرقابة على دستورية القوانين والتحقق من مدى مطابقتها لأحكام الدستور .
وعلى العموم وازاء رفض القضاء العدلي اللبناني لمبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين استنادا الى العديد من النصوص القانونية ، فان فئة من الفقهاء والباحثين شككت في دستورية تلك النصوص ، باعتبار أن أي نص يصدر من المشرع العادي ويترتب عليه تحصين قوانينه ضد رقابة دستوريتها اذا خالفت الدستور الأعلى، يصبح نصا غير دستوريا، فلا حق للسلطة التشريعية ان تفرض على القضاء المستقل طبقا للدستور اللبناني، تطبيق قانون يكون مخالفا للدستور، وبعكس ذلك فان ذلك يعدّ تجاوزا على استقلال القضاء، كما انه يمثل عدوانا على مبدأ الفصل بين السلطات بما يعنيه من استقلال السلطتين التشريعية و التنفيذية في مواجهة السلطة القضائية .
هذا وعلى الرغم من وضوح الفكرة الاساسية التي بني عليها الاجتهاد والقضاء اللبناني موقفه من مبدأ الرقابة على دستورية القوانين، فانه يعتبلر في نظر البعض توجه غير صائب ولا يتفق اطلاقا مع التكييف القانوني لطبيعة قواعد الدستور اللبناني بوصفه دستورا جامدا، كما ويتعارض مع ما يقوم عليه النظام اللبناني الذي كرّس أصدق القواعد الدستورية من حيث وجوب احترام مبدأ تدرج القوانين، بحيث جسد مبدأ سمو الدستور على القواعد القانونية النافذة في الدولة، فهذه الاعتبارات تؤدي دون الانبراء وراء الجدل الفقهي وتقرير رقابة القضاء لدستورية القوانين عن طريق الدفع الفرعي بعدم الدستورية، وترتيبا على ذلك لم يعد مقبولا رفض مبدأ الرقابة طالما أن الدستور اللبناني الصادر عام 1926 جهة معينة كانت لاعمال مثل هكذا رقابة، كما لم يمنع المحاكم من اجرائها .
لذلك جاء التعديل الدستوري لعام 1990 ليكرس الرقابة على دستورية القوانين في لبنان، وتم بموجبه انشاء المجلس الدستوري الذي اعتبر ثورة قانونية في اطار التجديد الاساسي الذي أحدثه التعديل الدستوري بتاريخ 21/9/1990 .
وان الاهمية الاكبر لوجود المجلس الدستوري أو المحكمة الدستورية في لبنان، لا تقتصر على الرقابة على دستورية القوانين ومن ثم الغاء أو ابطال ما يجب ابطاله منها، والنظر في صحة الانتخابات النيابية أو الرئاسية أو عمليات الاستفتاء ونتائجها، نجده يقوم بدورين : دور وقائي وآخر ردعي . والدور الوقائي للمجلس الدستوري في لبنان له فعالية فلا يمكن الاستهانة به، لانه يضع البرلمان امام مسؤولياته الدستورية والسياسية ويجعله اكثر حذرا وجدية ودقة في دراسة القوانين واقرارها .
كما يمارس دورا وقائيا على عمل الحكومة بحيث يجعلها حريصة على دراسة مشاريع القوانين دراسة دقيقة وعميقة، لجهة تطابقها مع احكام الدستور، وقبل احالتها الى البرلمان حتى لا تتعرض للطعن، وبالتالي ابطالها من قبل المجلس الدستوري.
ويلعب المجلس الدستوري دور الحارس للدستور، أي مبدأ الشرعية، ودوره لهذا الجانب أقرب لدور رجل الامن الذي يشكل وجوده بحد ذاته حماية ورادعا يمنع حصول المخالفات، أو يحدّ منها على الاقل، وهو حاميا لمبدأ الفصل بين السلطات، بحيث يكفل التزام كل سلطة حدودها الدستورية .
وبالتالي فمن دون رقابة دستورية لا يمكننا القول بوجود أية ضمانة فعلية لحقوق المواطن وحرياته/ فهذه الرقابة لم تعد تشكل في النظم الديمقراطية الحديثة مجرد مؤسسة دستورية بل أصبحت ركنا من أركان الدولة القانونية التي تقوم على الديمقراطية والحريات مما دفع بعض الفقهاء الفرنسيين لاعتبار دوره مواجها للسلطتين التشريعية والتنفيذية المعتبرين من مؤسسات المجتمع المدني .
 
مواضيع مشابهة
أضف تعليقا
* الاسم 
* البريد الالكتروني 
* التعليق 
* رمز التحقيق 
التعليقات (0)
لا يوجد تعليقات على هذا المقال
ما هو تقييمك لمحتوى الموقع
سيئ  
لابأس  
جيّد  
تواصل معنا
الصفحة الأولى سياسة حقيقة الديار تقارير دوليات منوعات رياضة إقتصاد أرشيف كتاب
جميع الحقوق محفوظة© Charles Ayoub 2013
برمجة وتطوير